🔥 الجزء الثالث: الغرفة التي لا وجود لها
خرجت ميرنا من المستشفى بعد أربعة أيام، تحمل في أعماقها شيئًا ثقيلًا لا يُفسَّر... شيء يشبه الخوف من "العقل نفسه".
– "أخبرونا أنكِ تعانين من انهيار عصبي حادّ، ولا بأس، ستتجاوزين كل شيء"، قالت نيفين وهي تمسك يدها برقةٍ مصطنعة.
ردّت ميرنا بصوت خافت:
– "هل كنتِ فعلًا بجانبي؟ أم أنني تخيّلتكِ مثل كل شيء؟"
لم تُجب نيفين مباشرة، بل ابتسمت تلك الابتسامة التي تشبه الأقنعة، ثم غيرت الموضوع كعادتها.
في طريق العودة للبيت، أوقفت ميرنا سيارتها أمام الإشارة الحمراء، ثم فجأة…
نظرت في المرآة.
رأت سيارة سوداء خلفها… ذاتها التي صدمتها منذ أيام!
لكن هذه المرة، أطفأت أنوارها فجأة… واختفت.
نزلت مسرعة، نظرت للخلف… الشارع فارغ!
أقسمت أنها رأتها… لكنها لم تجد أثرًا.
في تلك الليلة، جلست على سريرها تتفحص هاتفها…
وجدت إشعارًا من تطبيق التسجيلات الصوتية.
فتحت التطبيق، فوجدت رسالة صوتية محفوظة باسم: "سعيد – اليوم".
يدها ارتجفت وهي تضغط على التشغيل…
"ميرنا... أعلم أنكِ ستسمعين هذا.
كل ما رأيتِه حقيقي، لكنكِ اخترتِ ألا تصدقي.
الغرفة التي لا تفتح... هي البداية.
لا تبحثي عنها، إن كنتِ تريدين النجاة.
سعيد."
ارتجف قلبها!
أي غرفة؟! لا توجد أي غرفة مغلقة في منزلها!
قامت تتفقد المنزل...
في الطابق العلوي، خلف المطبخ، كان هناك ممر صغير لم تلحظه من قبل... في نهايته باب خشبي قديم مغلق بإحكام.
– "هذا مستحيل!" همست.
مدّت يدها نحو المقبض، لكن الباب كان باردًا جدًا...
تراجعت، أغلقته بقوة، ركضت عائدة لغرفتها.
في الصباح، زارت طبيبًا نفسيًا يدعى "د. رائد"، كان معروفًا بالعلاج بالتنويم الإيحائي.
وافق أن يجرب معها جلسة تنويم للكشف عن ذكريات محذوفة من عقلها.
بدأ العدّ التنازلي، غابت عن الوعي...
ثم، همست:
– "أنا في الغرفة... الباردة... الصور تراقبني... سعيد؟ هل أنت هنا؟"
سألها الطبيب:
– "ما الذي ترينه يا ميرنا؟"
– "أنا... أنا ممسكة بيده... بعد الطلاق... لكنه مات! كيف أمسك يده؟!"
استيقظت فزعة!
نظر الطبيب إليها وقال:
– "ميرنا، هل أخبرك أحد أن سعيد مات؟"
قالت وهي تبكي:
– "لا... لكنني... شعرت بذلك في الحلم. أو الذاكرة... لا أعلم!"
عادت إلى البيت وهي في دوامة.
بحثت في كل أرجاء الطابق العلوي عن الغرفة… لكنها اختفت!
لم يعد هناك ممر خلف المطبخ أصلًا!
"مستحيل! لقد رأيته بالأمس!" صرخت.
ركضت تُفتّش. كل شيء كما كان، ما عدا شيء واحد...
إطار صورة ظهر على الجدار فجأة...
اقتربت ببطء… كانت صورة قديمة، بالأبيض والأسود، تُظهر "ميرنا" وهي تمسك يد "سعيد" بابتسامة كبيرة….
فجأة
بدأت الأضواء تخفت مجددًا، ثم انطفأت فجأة. انقطع التيار
ثم… ضوء أسفل الباب المؤدي للقبو.
تساءلت ميرنا
– إن القبو مغلق منذ الحادث. منذ دُفنوا جميعاً.
إذًا من أو ما الذي يشعل الضوء؟!
لكن ميرنا، كأن شيئًا قادها، مشت نحو الباب. وضعت يدها عليه… بارد كالموت. فتحته ببطء، صريره كان أشبه بصوت صرخة خافتة.
درجات القبو تنزل عميقًا… كلما نزلت، اشتدت الرائحة… مزيج من العفن والورود الذابلة…
وحين وصلت أسفل الدرج، رأت ما لم تتوقعه…
طاولة كبيرة عليها صور محروقة جزئيًا لعائلتها، وجهاز تسجيل صوتي يعمل تلقائيًا… يُعيد عبارة بصوت والدها:
"إن بقيتِ معهم… ستصبحين واحدة منهم."
وفي الزاوية، كانت هناك مرآة ضخمة، مغطاة بقماش أبيض.
اقتربت ميرنا… يداها ترتجفان… رفعت الغطاء…
رأت وجهها… لكن ليس وحده.
خلفها انعكاس لخمسة وجوه: والدتها، والدها، سعيد… وطفلين صغيرين.
جميعهم شاحبون… دامعون… يتحدثون في صمت دون صوت.
أدركت ميرنا ما لم تكن تجرؤ على تصديقه…
الحادث الذي ماتت فيه عائلتها… لم يكن صدفة.
وسعيد… لم يكن مجرد زوج أُجبرت عليه.
سمعت صوتاً خلفها:
– تذكّرتِ أخيرًا؟
استدارت ببطء… وإذا بسعيد واقف أمامها، لكن ملامحه كانت واضحة الآن.
قال لها:
ـلقد قتلتيني يا ميرنا
ـ نحن تطلقنا فقط لم أقتلك قط .
ـ لقد قتلتيني مرتين، أسامحك على الأولى ولكن كيف أسامح الثانية ، كيف تقتلين حبنا وتعيشين في وهم الكره .
ـ ماذا تقصد؟!
– كنتِ السبب في موتنا جميعًا، ميرنا.
– لا… لا… لم أكن...
– كنت غاضبة وأنت تقودين السيارة ، حاولت تهدأتك ولكنك كنت عنيدة كما العادة"
ـ والسيارة السوداء التي صدمتني وتلاحقني ؟
ـ إنها إحساسك بالذنب وتأنيب الضمير الذي يلاحقك .
ـ ونيفين ؟
ـ من وحي خيالك , كنتي تبحثين عمن تلقين عليه اللوم لفشل زواجك الوهمي .
انفجرت الذكريات في رأسها…
صرخات… نيران… دموع… صوت انقلاب السيارة في الوادي ..
كانت هناك… وشهدت كل شيء… كانت السبب في كل ما حدث لذلك اختارت أن تمحوه وتعيش بالوهم.
سقطت ميرنا على ركبتيها أمام المرآة، ودموعها تنزف كأنها تستعيد كل صرخة دفنتها في ذاكرتها.
همست بصوت مخنوق: – لم أكن أقصد… كنت غاضبة… خائفة…
اقترب منها سعيد، لم يعد ظلًا، بل كيانًا كاملًا، وجهه مليء بالألم.
– كنتِ الوحيدة التي نجت… قد نجوت من الموت ولكنك ما نجوت من الندم وتأنيب الضمير .
– لقد عشتُ حقاً !
– لكنك لم تعيشي، ميرنا. بقيتِ هنا... في هذا المنزل... بين الظلال التي صنعتِها بنفسك.
تلفّتت ميرنا حولها، رأت الوجوه الشاحبة تحيط بها... والدها وأمها وأشقاؤها... جميعهم ينظرون إليها نظرة واحدة كأنهم يطلبون منها التخطي والمضي قدماً .
ثم دوى صوت كأنه صوت آلاف الأرواح في وقت واحد:
القرار... قرارك.
فجأة، انطفأت الأنوار، وساد ظلام تام. شعرت ميرنا بيد تلمس كتفها من الخلف. التفتت فزعة… لكن لم يكن هناك أحد.
وإذا بصوتٍ داخلي يهمس في أذنها: – لا مفرّ… إلا إن اخترتِ الحقيقة.
في لحظة شجاعة، وقفت ميرنا، وصرخت: – نعم! أنا السبب! ولكنني يجب أن استمر ، يجب أن يتوقف كل هذا ...
عندها… اهتز البيت كله.
تشققت المرآة إلى نصفين… ومن بين الشق، خرج نور أبيض قوي… واحدًا تلو الآخر، بدأت وجوه الأشباح تختفي… والدها ابتسم، أمها أومأت برأسها… وسعيد، لأول مرة، ابتسم كما لم يفعل من قبل.
قال لها: – الآن فقط… عدتِ للحياة.
ثم تلاشى.
استيقظت ميرنا في صباح اليوم التالي على صوت شمس مشرقة تخترق النافذة. المنزل هادئ… خالٍ… لا ظل فيه، ولا صوت.
نظرت في المرآة… رأت وجهها فقط.
لا أشباح. لا ظلال.
أمسكت قلمًا وورقة، وبدأت تكتب:
"أحيانًا، علينا أن نغوص في أسوأ كوابيسنا… حتى نجد الحقيقة في داخلنا. ما كنت أراه كوابيس… كان مجرد دعوة للغفران."
وفي أسفل
الصفحة كتبت: "نهاية... أم بداية جديدة؟"

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق