قد لاح النسيان في الأفق، يغدو الماضي بعيدًا ويغدو المستقبل أقرب.
تتلاشى الذكريات، وتتمزّق الأجندات المحفوظة بحذر؛ فقد هبّت أعاصير الزمن، وتزول معها اللحظات المتراكمة طويلًا، كأننا نبدأ عصرًا جديدًا نولد فيه من جديد، بذكرياتٍ أخرى ووجوهٍ لم نعرفها بعد.
ليس أمراً طبيعيًا أن تستيقظ على عالمٍ آخر.
كان آخر ما رأته ثلاث نساءٍ غريبات، يجلسن تحت أشعة الشمس على تلةٍ خضراء، مقابلةٍ لنافذة غرفتها التي لطالما أطلّت منها باحثةً عن بصيص أمل.
نادَت صديقتها الجالسة معها في الغرفة قائلةً:
— أمل، تعالي وانظري… منذ متى يأتي زوّارٌ إلى هذه التلة؟
زاحمتها أمل على النافذة، وقالت وقد بدت الدهشة في صوتها:
— دعيني أرى… عجيب. طوال فترات تأملنا هذا الأفق، لم نرَ أحدًا هنا. ما رأيك أن نذهب إليهن ونسأل؟
انطلقت الشابتان دون أن تعلما ما الذي ينتظرهما؛ فبعض الأمور تبدو عاديةً في ظاهرها، لكنها تخبّئ في جوفها ما لا يُحتسب.
عند وصولهما ألقتا التحية، ولم تلقيا ترحيبًا.
تداركت سمارة الموقف وقالت بهدوء:
— نعتذر عن التطفل، لكن هذه الأرض لنا. أنتنّ مرحّب بكنّ بالطبع، غير أننا استغربنا وجودكنّ هنا. هل يمكننا أن نتعرّف؟
رفعت إحدى النساء نظرها ببرود، وقالت بفظاظة:
— لم نطلب إذنًا. نذهب حيث نشاء، ولا رغبة لنا في التعرّف عليكنّ.
اشتعل الغضب في صدر أمل، وانفلت صوتها حادًا:
— قليلات الأدب!
أجابت إحدى النساء ببرود:
— مجرد فتياتٍ أرضيّات… مثيرات للاشمئزاز.
قالت سمارة بسخرية هادئة:
— وهل أنتِ فتاةٌ مريخية؟
لم تُجب.
اكتفت بأن فرقعت بإصبعها، فانشقّ الفراغ عن بوابةٍ كالسراب، بدت كدوّامةٍ مضطربة، وما هي إلا لحظات حتى اختفى الجميع.....
يتبع .....
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق